فخر الدين الرازي
380
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا [ النور : 31 ] ويجوز أن يكون الضيف مصدرا فيستغنى عن جمعه كما يقال : رجال صوم . ثم قال : أَ لَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ وفيه قولان : الأول : رَشِيدٌ بمعنى مرشد أي يقول الحق ويرد هؤلاء الأوباش عن أضيافي . والثاني : رشيد بمعنى مرشد ، والمعنى : أليس فيكم رجل أرشده اللَّه تعالى إلى الصلاح . وأسعده بالسداد والرشاد حتى يمنع عن هذا العمل القبيح ، والأول أولى . ثم قال تعالى : قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وفيه وجوه : الأول : ما لنا في بناتك من حاجة ولا شهوة ، والتقدير أن من احتاج إلى شيء فكأنه حصل له فيه نوع حق ، فلهذا السبب جعل نفي الحق كناية عن نفي الحاجة . الثاني : أن نجري اللفظ على ظاهره فنقول : معناه إنهن لسن لنا بأزواج ولا حق لنا فيهن البتة . ولا يميل أيضا طبعنا إليهن فكيف قيامهن مقام العمل الذي نريده وهو إشارة إلى العمل الخبيث . الثالث : ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ لأنك دعوتنا إلى نكاحهن بشرط الإيمان ونحن لا نجيبك إلى ذلك فلا يكون لنا فيهن حق . ثم إنه تعالى حكى عن لوط أنه عند سماع هذا الكلام قال : لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ وفيه مسألتان : المسألة الأولى : جواب « لو » محذوف لدلالة الكلام عليه والتقدير : لمنعتكم ولبالغت في دفعكم ونظيره قوله تعالى : وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ [ الرعد : 31 ] وقوله : وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ [ الأنعام : 27 ] قال الواحدي وحذف الجواب هاهنا لأن الوهم يذهب إلى أنواع كثيرة من المنع والدفع . المسألة الثانية : لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أي لو أن لي ما أتقوى به عليكم وتسمية موجب القوة بالقوة جائز قال اللَّه تعالى : وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ [ الأنفال : 60 ] والمراد السلاح ، وقال آخرون القدرة على دفعهم ، وقوله : أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ المراد منه الموضع الحصين المنيع تشبيها له بالركن الشديد من الجبل . فإن قيل : ما الوجه هاهنا في عطف الفعل على الاسم ؟ قلنا : قال صاحب « الكشاف » : قرئ أَوْ آوِي بالنصب بإضمار أن ، كأنه قيل لو أن لي بكم قوة أو آويا . واعلم أن قوله : لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ لا بد من حمل كل وأحد من هذين الكلامين على فائدة مستقلة ، وفيه وجوه : الأول : المراد بقوله : لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً كونه بنفسه قادرا على الدفع وكونه متمكنا إما بنفسه وإما بمعاونة غيره على قهرهم وتأديبهم ، والمراد بقوله : / أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ هو أن لا يكون له قدرة على الدفع لكنه يقدر على التحصن بحصن ليأمن من شرهم بواسطته . الثالث : أنه لما شاهد سفاهة القوم وإقدامهم على سوء الأدب تمنى حصول قوة قوية على الدفع ، ثم استدرك على نفسه وقال : بلى الأولى أن آوى إلى ركن شديد وهو الاعتصام بعناية اللَّه تعالى ، وعلى هذا التقدير فقوله : أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ كلام منفصل عما قبله ولا تعلق له به ، وبهذا الطريق لا يلزم عطف الفعل على الاسم ، ولذلك قال النبي عليه السلام : « رحم اللَّه أخي لوطا كان يأوي إلى ركن شديد » . [ سورة هود ( 11 ) : آية 81 ] قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَ لَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ( 81 )